الأحد، 11 سبتمبر، 2016

عالم سوداي من تفاصيل عالمنا التي تصنع " المسخ " .. فرانز كافكا






" كان متيقنًا تمام اليقين من أنها قد كفته مشقة الانزعاج الذي لم تكن تتحمله قط ببقائها في وجوده بداخل الحجرة دون أن تسرع بفتح النافذة " 


بعد ليل من الأحلام المزعجة أستيقظ جريجور ليجد أنه قد تحول إلي مسخ عملاق بأقدام كثيرة صغيرة ضعيفة و رأس صغيرة و قرون استشعار ! .


كيف سيعش مع أسرة كان هو  يتكلف بإعالتها و تحمل نفقاتها و ديونها ؟ هل كان ساذجٍ لدرجة أنه ظن أنهم سيتحملون مسخ لمجرد أنه أفن حياته من أجلها ؟!
كان ساذج .. مازال يصدق في الإنسانية .
و إذا كانت الإنسانية مشاعر واعية تكشف حقيقة الإنسان ، فكافكا يعري الإنسانية من زيفها و يقشرها بألم عن كل مظاهرها بمنتهي الوجع و الألم و .. المتعة ! .
أتساءل كم مرة رغب كافكا في الموت و التلاشي عن العالم ، ليصل إلي تلك الدرجة من الحقيقة حيث يدهس كل شيء متعارف عليه، كل المعروف و البديهي و كل المشاعر و يجلس أمام حفنة أوراق و أقلام ليزيل كل شيء يغطي الإنسانية و يكشفها بمنتهي الكوميدية و المتعة و الألم لتتجلي في حقيقتها البشعة .
" علي الكاتب أن يحرك الجراح ، عليه أن يتسبب فيها ، علي الكتابة أن تشكل خطرًا "
في الفصل الأول يتشكل تحريف الخطر المضحك علي الكوميدية السوداء ، السيد سامسا يستيقظ بعد ليل من الأحلام المزعجة ليجد نفسه حشرة !
هل يصاب الذعر ؟ لا
هل يتشتت ؟ لا
هل يبكي ، يصرخ ؟ لا
إذا ماذا فعل ؟ أضجع _عقليًا _ يفكر .
نعم أن جريجور سامسا آخذ يفكر و يتعرف علي شكله الجديد ، الحياة من منظوره الجديد بمنتهي التأقلم ، ربما هذا ما يفعله الجزء الأكبر من بني آدم .. التأقلم
رغم صعوبة الوضع و الوحدة و الحزن إلا أنه يحاول التأقلم لكن هل من حاوله يساعدونه ؟
و هذا ما آخذ يشرحه و يؤكده كافكا في الفصل الثاني ، هذا الخطر الذي سببته الكتابة .
في الفصل الأول كان تعريف مفصل عن جريجور و عالمه الجديد و القديم ، أما الثاني فيصف كيفية الحياة لمسخ مع أسرته ؟
كيف كانت شقيقته تواليه رعاية في البداية و تهتم بتقديم نوع الطعام المختلف الذي صار يشتهي ، و تنظيف حجرته التي أصبحت بعد ذلك ملقي المهملات و كل الأشياء التي تم الاستغناء عنها .
و أنه أصبح تسليته الوحيدة الزحف علي الجدران و السقف و تثبيت جسده ! ، و سماع عزف أخته !
" لقد صمم علي مواصلة زحفه حتى يبلغ مكان شقيقته ، ليجذب طرف جونيلتها ، لعلها تدرك أن عليها أن تجئ بكمانها إلي داخل حجرته – ذلك أن لا أحد يتذوق عزفها كما يمكنه هو أن يتذوقه " .


هل كان سيوران محق في قوله أن الموسيقي شفاء لأرواح التي جرحتها السعادة ؟
أم كان محق أكثر في أن هذا العالم لا يستحق أن نعرفه ؟ .
" لم تكن لدي جريجور رغبة في إفزاع أي شخص فضلًا عن شقيقته " .
ذلك أن أسرته رأت أنها ساعدته – إنسانيًا – و لكن يجب أن يتخلصا منه ، و بينما كانوا يفكرون في الطريقة المناسبة لذلك كان جريجور يعاني من التفاحة التي قذفها والده في ساعة غضب عليها فانغرست في ظهره !
و لك أن تتألم من تخيل كائنًا ما كان غير قادر علي المقاومة نركض خلفه في ساعة غضبه لنطيح به بأي شيء أمامنا .
و تتألم أكثر من شكل تعفن التفاحة المغروسة بظهره و الجراح الملتهبة حولها لتسقط رأسه في تلك اللحظة و تختفي أنفاسه اللاهثة ..
فيبدو أن جريجور كان يدرك أكثر بكثير مما تخيله والده .
و تأتي النهاية لتلك النوفيلا القصيرة بشيء من العادية ، كأنهم ما ودع شيئا كان يحمل عنهما عنائهم و يتنفس ، كان يومًا الأمل ..
لكن  هذا العالم لا يهتم بمن يسقط ، هذا العالم يسحق بمن يسقط
كان لابد أن يتلاشي و يعود أو يذهب لعالم آخر ، لوحدة أخري كما قال خوان خوسيه " هذه هي الوحدة " ..
الوحدة ذكريات باهتة من عالمك و مكان تقبع فيه معها في محاولة بائسة للبدء .
كانت القصة في فصلين ، قصيرة لكنها مليئة بالتفاصيل ستنهيها في جلسة لكن قد تمتد لثلاثة ساعات متواصلة و ستشعر بضاءلتك حين تنهيها و تتأكد أنك ستصبح عبء حالما تتحول لغريب ، حالما تتحول لشيء لا يقدر علي الحراك أو الآتيان بأي شيء مفيد لهم !
هذا العالم يستحق الإنسانية بجدارة ، و هذه الحقيقة التي كان يحرص كافكا و ساراماغو و آوريل علي تأكيدها .  
الترجمة كانت متنوعة لذلك قراءتها بالإنجليزية و بالعربية ترجمة الدسوقي فهمي ضمن الأعمال الكاملة و كانت ترجمة جيدة علي عكس آخري كنتٌ آخذت فكرة عنها و وجدتها سيئة لحد ما .
الراوي كان مختفي و دوره منصوب فقط علي سرد الأحداث و التفاصيل دون تعليقات ، و كافكا يجيد السرد و الطريف أن في قوت كتابة تلك النوفيلا كانت كلمة حشرة تعني " حيوان غير نظيف لا يستخدم كأضحية " أي أن كافكا اختار مصطلحًا غامضًا وقتها ليبني عليه قصته ، لذلك ستجد مختلف الأسماء في الترجمات فمنهم من سماها بالحشرة ، الدودة العملاقة أو الدودة الهائلة أو حيوان الخلد و التحول رغم أن موضوعها لم يكن يشير لذلك الاسم .. أنا أفضل المسخ لدلالتها علي نظرة الآخرين المنعكسة  له .
و كما جاء في كتاب معطف فوق سرير العالم :
 سنة ١٩١٥ قام كافكا بإرسال رسالة إلى الناشر يقول فيها: "لا أريد للحشرة أن تُرسم في الكتاب. ولا أريد لها أن تُرى حتى من مسافة بعيدة.” وفي غلاف الكتاب الأصلي تظهر صورة لرجل طبيعي، والذي يبدو وكأنه يتخيل حدوث مسخ هائل، ولكننا لا نرى هذا التحول ظاهرًا عليه بشكل فيزيائي.
أي لأنه قادر علي استغلال هذه المطابقات العتيقة في اللغة ، هو يقصد حشرة نعم لكن اختار أن يتجنب الوضوح  و هذا ربما هو السبب الحقيقي وراء منع كافكا لأي صور أو رسومات لجويجور و ربما هذا المصدر الرئيس لعبقريته .

 أما الفنتازيا التي تقوم عليه القصة لا تقلل أبدًا من واقعيتها و إسقاطها بشكل ذكي علي واقع الإنسان المعاصر ، فلا توجد لديك مشكلة لتقبلها و كأنها واقعًا يحدث طوال الوقت .
النهاية رغم أنها تتمثل في طبقة العادية إلا أنها المناسبة تمامًا ، نحن لا نفكر فمن يذهب حين يذهب و هذه رغم بشاعتها حقيقة .
فكما قال كافكا : " إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس "
و هو جيد جدًا في طردنا بعيدة عن الناس ، مع الوحدة .
التقييم
7/10  







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق