الثلاثاء، 27 ديسمبر، 2016

فاوست : " المادة الخام لأساطير بيع الروح للشيطان " .



فاوست في بحثه 


لوحة الشيطان مع لأنداريوللي 


هناك الكثير من اللوحات التي صورت فاوست و الشيطان ، أيهما أقرب للمسرحية ؟ أيهما أقرب للصورة الملموسة ؟ .
أهو فعلا الدكتور و الخيميائي و الفلكي  : يوهان جروج ، فيشعاع اسمه في الأدب الألماني بأنه باع روحه للشيطان مقابل قدرات خارقة .
ليس أكيد ، فاوست ستظل تحوم حول وجوده التاريخ بعض الشكوك .. تناوله العديد من الكتّاب في مؤلفتهم مثل : أوسكار وايلد ، ميخائيل بولكاكوف .
أفاوست مثال للإنسان الطموح للأعلى دائمًا ؟
أم الإنسان الكامل بما في نفسه من خير و شر .. إيمان و كفر ؟ 
أم هو أسطورة ليست لها دلالة حقيقة علي عالم البشر ؟
في بداية المسرحية ، صور الشاعر ، فاوست علي أنه شخص كبر بغتة دون أن يشعر وسط انشغاله بأبحاثه و علمه .. يبدي عليه الندم علي عمره الذي يشعر أنه ضاع دون أن ينال أي شيء من المتعة المستحقة .
أراد فاوست أن يكون مثاليًا كامل القوة و العلم و الشباب ، يتمتع بكل ما يستطيع أن يتمتع به الإنسان ، كان توقًا لكل ما ملذات و شهوات الدنيا ..
لكنه سجين جسده و سنه ، و سجين محدودية قدرات الإنسان و علمه ، برغم تعمله ما يستطيع من علوم زمانه .


فأقدم فاوست علي الانتحار ، الحياة تعرت أمامه ، صارت خواء ، صارت هباء أمام عينه ، فهو لن يستطيع الوصول لشيء أفضل ، علوم الأرض كبلته إلي هذا الحد الذي لا يرضيه ..
لكن التراتيل السماوية التي دوت فجأة من العدم ، أوقفته عن فعلته
هنا كان الظهور الأولي " مفستوفيليس " ، يلتقط الشيطان لحظات اليأس المقصورة تلك ، اللحظة الأشهر لليأس كي يأتي ، يعرض صفقة العمر الضائع
سيعطيه إبليس أربعة و عشرون عامًا من الشباب و العلم و القوي ، أربعة و عشرون عامًا تميمة بعدد ساعات اليوم كرمز ، سيمنحه الشباب و السحر و العلم و كل ملذات الحياة وسيصاحبه الخادم مفستوفيليس لبقية عمره ، في مقابل أن يبعه روحه و جسده .
هذا ما ينص عليه الأمر في الأساطير القديمة ، هذه التميمة متجذرة في الأديان و الأساطير .
ما أكثر قيمة للشيطان من الروح ؟ .
و وافق فاوست علي أن يتحدي الإله بفعلته ، راح يقتل و يفسق و يغوي و يسحر و يؤذي .. هوي لأسفل السافلين .
لكن فطرة فاوست السليمة لازلت تأبي الانحطاط ، ردود الأفعال في بعض محطات المسرحية توضح ذلك ..
فاوست يأبي ، و الشيطان يغوي
و يفوز
و مع كل جرائمه تري جيدًا الإنسان الذي لا زال ينبض داخله .
و في النهاية حين يبلغ المائة ، يري حقيقة ما فعله ، حقيقة جرائمه ، يعمي و يبتعد عن خادمه الشيطان ، لا يستطيع أن يطلب المغفرة ..
يده مكبل في الأرض ، و رأسه لا تستطيع النظر لطلبها
يصارع الملائكة من جهة علي روح فاوست ، و يصارع مفستوفيليس و شيطانه من جهة عليها .
هل تنجو فعلا روح فاوست في السماء ؟ ، هل المغفرة تنتظره ؟ .
فاوست ابتلي بعقله و فكره ورغبته في تعديه إنسانيته لشيء أكثر ظلمة ، و إبليس ليس الشيطان فقط بل هو الجزء المظلم داخلنا ، هو أعمق الأجزاء ظلمة داخلنا ، التي تغوينا لتنصر و تظهر .
كلنا في النهاية فاوست ، في معضلة فاوست ، في ضعف فاوست أحيانا ..
و إبليس يلتقط الضعف ليغوي ..
_ صور غوته أشد صور الإغواء في النساء ، في " مارجريت " و " هيلانة طروادة " ذات الجمال الآخذ الفاتن الذي كاد يجن فاوست للظفر بها .. يعتقدون أن أقوي سلاح للشيطان هو المرأة ، فدائمًا هي القادرة أن تضعف أي شخص بسحرها .. و لكن أليس الأمر هو أنكم أنتم من تضعفوا بهذا السحر ؟ ، إبليس لا يأخذها لأنها الأقرب أو الطوع بل أنها نقطة ضعفكم أنتم .
المسرحية حقا من أبرع ما خط في الأدب علي مر العصور .. مليئة بالحكايات الأسطورية و الجو المعبق بالشياطين و الأشباح و العفاريت ، و الأطماع البشرية و الرغبات الدفينة من الناس الذين كانوا حول فاوست ، و تحتوي الصراع الأزلي في صورة خام ممتعة .
كلما ما أستطيع التفكير فيه ، أن تلك المسرحية كتبت من إنسان عظيم كان يعيش علي هذه الأرض ذات يوم بعيد ، فتمر في خلايا عقلي رعشة من كم عبقريته .
التقييم
10/10  


  

  


الجمعة، 2 ديسمبر، 2016

مرتفعات وذرينج الفكرة التي خالدتها و السرد الذي لم يخلد







مرتفعات وذرينج الرواية الواحدة للكاتبة إميلي برونتي و التي خالدتها علي مر تلك العصور ... لكنني صدقًا لم أعرف أو ألمس المميز فيها الذي يجعلها كاتبتها خالدة ؟   .
**
الرواية من الأدب الكلاسيكي العالمي ، و هناك ثلاثة أشياء أفضل أن أضعها نصاب عيني عند قراءة هذا النوع ، اللغة الشاعرية الهادئة ، الأحداث البطيئة و الحبكة العاطفية ، أنني اقرأ من أدب القرن الثامن عشر و ما قبل .
و رغم أنني أستطيع بسهولة أن أقيم كل عمل علي حسب نوعيته ، متفهمة أن كل نوع مختلف عن الآخر و لا انتظار أن يقدم لي عمل كلاسيكي التشويق و الترقب و الإثارة ،  لكنني شعرت بالملل أثناء القراءة أغلب الوقت .
القصة باختصار أن الشخصية الرئيسية " كاثرين إيرنشو " تحب " هيثكليف " الفتى الذي تبناه والدها و يعامله أخاها بعد وفاة والدها معاملة سيئة و متدانية ، و تقرر الزواج من "لنتون ايدجار " صديق طفولتها الغني الوسيم ذو الشأن العالي ، يسمعها هيثكليف عندما تتحدث عنه و أن زواجها منه يجلب العار رغم حبها فيرحل ثم يعود من جديد في هيئة السيد النبيل ، و تغرم به شقيقة ايدجار  فيقرر الزواج منها ليحطها هي و عائلتها ، مع تزامنه في أزلال شقيق كاثرين بتسديد ديونه .
و في العقد التالي تحب ابنه كاثرين التي تسمي " كاثرين لينتون " تقع في غرام ابن هيثكليف الذي يجبره والده علي الزواج منها ليذللها و يأخذ ثروتها ،  لكن بعد وفاته تقع كاثرين الابنة في حب " هارتون إيرنشاو " الذي تبناه هيثكليف و ساء معاملته كما كان يفعل معه .
دائرة الحب و الانتقام و وقوع نفس الأحداث ، تأثير دروست في صعيد الدراما حيث الصورة تظهر داخل نفسها ، بالتمعن في القصة الأولي سنجددها تكرر نفسها في عقد الأبناء و لكن يحركها الانتقام أما القصة الأولي كان يحركها أنانية كاثرين .
حيث قالت كاثرين في مصارحتها لنلي الخادمة عن ما تشعر به تجاه الشخصيتين هيثكليف و لنتون :
 
" إنّ حبي " لنتون " يشبه أوراق أشجار الغابة، يتغيّر ويتبدّل "
مع تغيُّر الزمن تمامًا كما يبدّل الشتاء هذه الأوراق ". 

أمّا حبي " لهيثكليف " فيشبه الصخور الأبديّة، أنّه مصدر سعادة "
قليلة ملموسة ولكنّها ضرورية، إنّني أنا هيثكليف ! إنّه دائمًا 
دائمًا في مخيِّلتي، إنّه حياتي، فأرجوك ألّا تتحدّثي مرّة أخرى 
عن فراقنا " .
عقدة اختيار الزوج الثري من الطبقة المخملية و حب الشخص الأقل مرتبة ، ربما هي كانت حجر الأساس و الإلهام الذي مازال يحرك هذه الفكرة حتى الآن ، فهذه الفكرة قد كتبت في مختلف العالم و تم صنع أفلام و مسلسلات درامية و إذاعية إلي الآن ، لكنني أثناء القراء كنت أشعر بالملل لأن التركيز كان علي الحبكة العاطفية للحب و الانتقام و مفتاح تغير القصتين لكن المشاهد أغلبها كانت بائسة جدًا و فقيرة و يمكن أن تتخطها .
لكن نقطة وصف أحوال زمن القصة كانت لا بائس بها ، التطرق طفيف لكنه مفصل .. لكن غير ذلك لم أستشعر ، لم أري نوع من الرومانسية أو العقدة للكتابة ، فالشخصيات كلها تعاني من سيطرة الأنانية و الانتقام و التعالي و كنت أراهم بشكل ما مناسبين أكثر من اللازم لينتجوا قصة ، لا يعقل أن الجميع سيئين و بؤساء في رواية بهذا الحجم ! .
ملحوظة: هناك ثلاثة ترجمات لهذه الرواية ، ترجمة سلسلة كتابي ، و ترجمة الأدب العالمي للناشئين و ترجمة المركز الثقافي العربي ، و الأخيرة أفضلهم و أكثرهم قبولًا للقراءة فالترجمتين السابقتين كانوا أكثر مملًا من الأخيرة و أظن أنهم أضافوا المزيد من البطء و هي لا تحتمل .
و تم اقتباس الرواية في عده أفلام ، الأول سنة  1939من إخراج ويليام وايلر ، و آخر سنة 1992 من إخراج بيتر كوسمينكي و هي النسخة الأقرب للرواية لكن مواصفات الشخصية الشكلية كانت مختلفة عن الرواية الأصلية ، و أخر فيلم تم اقتباسه كان سنة 2011 إخراج أندريا أرنولد ..
و تم اقتباس الرواية في فيلم مصري سنة 1956 باسم " الغريب " من إخراج فطين عبد الوهاب و كمال الشيخ و بطولة يحيي شاهين و ماجدة و كمال الشناوي .
كتابة الرواية مملة و بطيئة أكثر مما احتملت ، لكن الفكرة مازلت تتحرك و تشكل مصدر للإلهام الكثير و تناقش قضايا اجتماعية و نفسية مهمة .
التقييم
 4/10